قُبحٌ يطلقه العالم على العين الأكثر زرقة: توني موريسون

كثيرًا ما تضج برأسي فكرة مقلقة عن علاقتي بالعالم، ما أعنيه أنا إليه و ما مدى انعكاس هذه النظرة عليّ. لأكون صادقة، في السابق، لم أكن أهتم بنظرة الآخرين لي، كشخص، كوجه، كجسد، اهتمامهم بي أو تهميشهم لي. لكن في أكثر أوقاتي سوءًا، كُنت أهرع إلى ما يدل على توهج قيمتي، و كانت حينها أصوات الآخرين، تعلو أهميةً، فأستدل بملاحظة لطيفة قيلت لي، شعور مبهج من الآخر دل على تميزي، إيمان عظيم بي و بما سأكون عليه يوما ما.

تاريخ من العنصرية و سؤال ليس في محله

توني موريسون، الكاتبة الأفرو – أمريكية و المعروفة بكتاباتها التي لا تخلو من محاكاة العنصرية، و ما يقاسيه الأفرو – أمريكان في المجتمع الأمريكي، لم تتساهل أبدا مع سؤال كان قد طرح عليها، عن إذا ما كان بإمكانها تخيل الكتابة دون اقحام العنصرية فيما تكتبه، مما يعني، كتابة عن البيض، عن السود، دون تضخيم الذات الأمريكية كجلاد و حصر الذات الزنجية الأمريكية في قالب الضحية. و في ظل تاريخ من الهجوم لكتاباتها، هي لا تستيغ هذا السؤال، بل لا تفهم المغزى منه، و لا تجده سؤالا أدبيا حتى، فنحن لا يمكننا سؤال كاتب ما عما يستطيع كتابته أو لا، فالمخيلة الأدبية لا تتعلق بمقدرتنا على الكتابة بموضوع ما، أو من عدمها، هي سجينة الرغبة، و موريسون ما كان يهمها في الأدب، هو ما يتداعى منه. شخصية عدا كونها تتسم بلغة شعرية و ضلاعة روائية، فأكثر ما يجذبني نحوها هو قوتها، صلابة يمكنك استشعارها في عمق الألم. كََون تناول “العنصرية” كثيمة أساسية في أدب موريسون، هذا لا يلغي تجسيد المجتمع الزنجي، لا كضحية فقط تحت مجهر التمييز العرقي و إنما كشخصيات تخلو من المثالية، كإنسان مثلنا مثله، شخصيات هي الأخرى لها تعثراتها، تساهم بفعالية في خراب حياتها. و هذا ما تلاحظه كقاريء في أولى رواياتها “العين الأكثر زرقة” أسرتين كل منهما تتخذ موقفا مغايرًا للتعايش مع طبيعة الحياة و قسوتها، فبينما تستمر إحداها في المضي، متحدة كأسرة، تتحطم عائلة بريدلوف، تتشقق، بل على الأحرى تموت.

تهشيم دمى البيض.. بحثا عن الجمال

تعود بنا كلوديا، إلى خريف عام 1941، بولاية أوهايو، و ذلك حينما كانت في التاسعة من عمرها، عندما أودعت السلطات الطفلة بيكولا بريدلوف عندهم، حيث أحرق والدها السكير منزلهم، خريف هذا العام، كان متقشفا رغم الأمل، لم تنبت بذور القطيفة و بيكولا الحامل من أبيها، مات طفلها عند ولادته، لم يجري شيء على ما يرام كما آملت كلوديا و أختها فريدا. بأسلوب درامي مُحكم، تقحمنا توني في مصيدتها الروائية، و التي اعتمدت على تشتيت ذهن القاريء و شده في آن واحد، فالرواية مروية بثلاثة أصوات عدا الكاتبة، تقودنا بمنظور الطلفة كلوديا و تفسيرها لعالمها، و أيضا تستبطن وعي تشوللي و بولين بريدلوف، و كل هذا يُروى بمسارات مختلفة من حيث الزمان و المكان. كلوديا، هي أكثر الشخصيات حيوية، و بدرجة كبيرة تؤثر في فهم القاريء لخلفية الحدث العامة، حيثُ يفقد الفقر الشديد صواب الجميع. تتقبل كلوديا فكرة رجلها الذي سيحبها قبل أن يهجرها، بناءًا على أغنيات أمها العذبة و المحببة لديها، و تستمتع بالمضي نحو غرفة المستأجر هنري و تفتيش مجلاته النسائية، رغم أن فريدا ترفض هذا الاقتراح، و في غمر ذعر شقيقتها من محاولة هنري للاعتداء عليها، تسألها إن كانت قد شعرت بشيء ما، لكنها لا تفهم بتاتًا انبهار قريناتها بشيرلي تمبل، بل حتى في أن يهديها الكبار بعيد ميلادها دمية بيضاء، بعيون زرقاء، و شفاه ملونة، و من ثم يعتريهم الغضب عند تهشيمها لها، فهي عندما تقوم بتهشيمها، إنما تحاول اكتشاف جمالها و كونها مرغوبًا فيها، مالذي يجعل زملائها يتوددون إلى مورين بيل أو “ذات الناب” كما تلقبها، ما يجعلها جديرةً بالاهتمام، و تتساءل عن السبب الذي جعلها جميلةً و لم يجعلها كذلك.

ارتداء القبح.. كُلٌ بطريقته

يتفق الجميع على كون عائلة بريدلوف، صورةٌ متكاملة من القبح، و كذلك يؤمن كل من أفرادها بأنه الأقبح، العائلة محطمة، لا تلتقي، إلا في شيء واحد و هو تحطيم بعضها البعض، و أيضًا تجسيدها للقبح بطريقتها، فتشوللي يبالغ في سكره و لامبالاته بمصير عائلته، عاطل عن العمل، أما بولين فهي لا تتردد أبدًا في الشجار معه أمام الأطفال، بغرض خلق المعنى، في ظل الجمود الأسري، و تتقمص ببراعة دور الأم البيضاء لطفلتها الشقراء، عند العائلة التي تعمل لديها، حيث تناديها بولي، في حين أن بيكولا و سامي يلقبانها بالسيدة بريدلوف. بيكولا مطوية بمكان ما يجعلها غير ظاهرة في الصورة، أما سامي فيعبر عن قبحه بترهيبه للآخرين، و هروبه المتواصل من المنزل. الأجواء مشحونة بالقسوة و العنف، لكن الشخصيات، تشوللي و بولين، تروي لنا تاريخ قبحها و أسبابه، بطريقة لا تستدرج تعاطفنا، إنما هكذا تحدث الأمور، انه أمر لا تختاره و لا تحاول تغلبه، فتشوللي، ابن زنا، لم يرى أمه مطلقًا، و في طريقه للتفوه باسمها عند لقائه الأول بوالده، لم يتذكر اسمها، و كان بالنسبة لوالده، شيء مجرد من القيمة، أكثر من لعب الورق، و لا تغيب عن باله، ذكرى ذُلت فيها رجولته بسخرية من البيض، لذا فثورته الشيطانية هذه، تشعره بكينونته المسرفة في السكر و الجنس و اليأس. أما بولين، فقد بدأ كل شيء، منذ لقائها بتشوللي، أو لنقل زواجها منه، و عند انتقالها معه إلى أوهايو، و على غرار كنتاكي، تمتلأ أوهايو بالمجاهر العنصرية، تتساقط أسنانها تدريجيا، و معها تدفن أجزاءًا من شخصيتها الحالمة. استخدام موريسون لسردية “ديك و جين” التعليمية للأطفال،في بداية الرواية وتكرارها لها في مقاطع عدة، لم تأتي من فراغ، هي تقلب الطاولة، لترينا بدلا من الصورة المثالية للعائلة السعيدة، صورة مُشوهة، وليدة الدونية.

اختفت، تقنّعت، خسفت نفسها

 “يا صغيرتي

عيناك زرقاوان كالنهاية

كالأبد”

-سنيّة صالح

بيكولا صامتة، و لا نلحظ لحظة انفجارها إلا في الرمق الأخير من الرواية، لحظة صلاتها بأن تكون لها عيون زرقاء، ليراها الآخرين حقًا، فهي تظن بأنه حينها لن تكُون مهمشة، لن تكون مستبعدة في الفصل الدراسي، ربما كذلك ستحبها أمها، سيصبح كل شيء على ما يُرام، هي عند دخولها للمشعوذ العجوز، تمنت من أعماقها بأن تكون بعيون أخرى غير عيونها، لا من أجلها، بل من أجلهم هم، و هذا يفسر كرها ذاتيا مبنيًا على كُره الآخرين، ليس بالمعنى الحرفي، لكن تأثيرهم الواضح عليها سلبًا، هي تسأل: كيف تجعلين أحدهم يحبك؟

نظرتنا للذات تتخلخل، عندما ننظر إليها بعيون الآخرين “سلبًا”، هذا يحدث، و السؤال الأكثر غموضا و وضوحا، ما هو الجمال؟ ما معاييره؟ و أيضًا إلى أيّ مدى من الإيمان بنا نحتاج، لكيّ لا نطمس ذاتنا، بسبب الآخرين؟

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s